اسماعيل بن محمد القونوي
76
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 38 ] وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( 38 ) قوله : ( حكاية حال ماضية ) لغرابته ولم يعهد بعد مثله . قوله : ( وكلما مر عليه ملأ ) كل منصوب على الظرفية وما مصدرية وقتية أي كل وقت مرور والعامل فيه جوابه وهو سخروا . قوله : ( استهزؤوا به لعمله السفينة ) لا لأنه عليه السّلام كان ينذرهم الغرق فلما طال مكثه فيهم ولم يشاهدوا منه أثره عدوه من باب المحال واستهزؤوا به . قوله : ( فإنه كان يعملها في برية بعيدة من الماء أوان عزته وكانوا يضحكون منه ويقولون له صرت نجارا بعد ما كنت نبيا ) أي سبب استهزائهم هذا لا لأنه عليه السّلام كان ينذرهم الخ إذ روي أنهم قالوا له ما تصنع يا نوح قال بيتا يمشي على الماء فتضاحكوا وسخروا منه حيث قالوا صرت نجارا حقيقة بعد ما كنت نبيا ادعاء والحال أن ذلك العمل ليس له عاقبة حميدة مساوية لمشاقة عظيمة . قوله : ( قال : إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ [ هود : 38 ] إذا أخذكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وقيل المراد بالسخرية الاستجهال ) قال إن تسخروا مستأنف جواب سؤال مقدر وجعله جوابا لكلما وسخروا منه صفة لملأ أو بدل اشتمال بعيد إذ الصفة يكون بعد العلم ولم يعلم السخرية قيل فإنا نسخر منكم تغيير الأسلوب بجعله جملة اسمية مصدرة بكلمة التأكيد للتنبيه على الفرق بين السخريتين وعلى تغاير المسلكين والتنبيه بناء عل ظاهره لذمهم وعلى كون سخريتهم أعرف عندهم والسخرية من الأنبياء عليهم السّلام جزاء لفعلهم ليست ببعيد ومن حمل على المشاكلة فمطالب بإثبات قبحها منهم وما قاله الإمام فإن قيل السخرية من أمهات المعاصي فكيف يليق بالأنبياء عليهم السّلام فإن أراد أنها من أمهاتها بلا مقابلة جزاء فمسلم لكن لا يضرنا وإن أراد أنها كذلك مع جزائهم بصنيعهم فممنوع والمستند ظاهر وقيل المراد بالسخرية الاستجهال كأنه ذهب إليه أن السخرية لا تليق بمنصب النبوة كما مر تفصيله فيراد بها قوله : حكاية حال ماضية يعني مقتضى الظاهر أن يقال وصنع الفلك على صيغة المضي لكن عدل عن الظاهر إلى صيغة المستقبل استحضارا للصورة الماضية . قوله : وقيل المراد بالسخرية الاستجهال يدل على أن السخرية من الجهل قوله عز وجل حكاية عن موسى عليه السّلام : أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [ البقرة : 67 ] في جواب قول قومه أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً [ البقرة : 67 ] فوضع المسبب الذي هو السخرية موضع الجهل فعلى هذا يكون ذكر السخرية مكان الاستجهال من باب الكناية بخلاف الوجه الأول فإن السخرية في قوله : إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا [ هود : 38 ] على الأول حقيقة وفي قوله : فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ [ هود : 38 ] من باب المشاكلة كما في وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ [ الشورى : 40 ] .